■ بيروت _ أحمد موسى
ميديا برس ليبانون – بينما تسحب واشنطن الملف اللبناني من أدراج الانتظار وتعيد تشغيل محركات التفاوض تمهيداً لجولة جديدة في روما، كانت إسرائيل تفعل العكس تماماً: ترفع منسوب النار في الجنوب إلى مستويات غير مسبوقة، وكأنها تريد أن تصل إلى طاولة التفاوض وفي يدها خرائط جديدة ووقائع ميدانية جديدة.
المفارقة ليست في أن الحرب والدبلوماسية تتحركان بالتوازي، بل في أن الميدان الإسرائيلي يبدو وكأنه يناقض تماماً المسار الذي تحاول واشنطن تسويقه كمدخل إلى التسوية.
ففي الوقت الذي بحث فيه رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو مع السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى والسفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي تنفيذ «اتفاق الإطار» ودفع المحادثات اللبنانية ـ الإسرائيلية قدماً، كانت القنابل الإسرائيلية تتساقط جنوباً، من النبطية الفوقا ومحيط علي الطاهر إلى حولا وكفرتبنيت ومناطق أخرى.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد موعد لجولة تفاوضية: هل تريد واشنطن من نتنياهو خفض التصعيد، أم أن إسرائيل تستخدم التصعيد لرفع سقف شروطها قبل روما؟.
«من طرف اللسان حلاوة»… وماذا خلف الأبواب؟
المعلن عن لقاء نتنياهو ـ عيسى ـ هاكابي أنه تناول التقدم في المحادثات التي تقودها الولايات المتحدة بين لبنان وإسرائيل، ووصف هاكابي المسار بأنه «تاريخي»، واضعاً حزب الله في موقع الجهة التي تعرقل الوصول إلى الاتفاق.
لكن المعلن شيء، وما يجري على الأرض شيء آخر.
فالجنوب لا يعيش أجواء «مسار تاريخي» نحو الهدوء، بل يشهد تصعيداً عسكرياً متواصلاً.
وهنا لا بد من طرح السؤال الذي يختصر المشهد كله: هل حمل عيسى إلى نتنياهو رسالة أميركية بضرورة خفض التصعيد قبل استئناف مفاوضات روما؟
المعلومات المتداولة تشير إلى مسعى أميركي لمنع انفجار واسع وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً، لكن لا يمكن حتى الآن التعامل مع ما يُقال عن «رسالة مباشرة من البيت الأبيض» باعتباره أمراً مثبتاً.
المؤكد أن واشنطن تتحرك.
والأكثر تأكيداً أن إسرائيل تتحرك عسكرياً.
وبين الحركتين يقف لبنان.
علي الطاهر… حيث تتقاطع النار مع السياسة
لم تعد تلال علي الطاهر مجرد موقع عسكري في الحسابات الإسرائيلية واللبنانية.
لقد تحولت إلى اختبار لاتفاق الإطار نفسه.
فأي تفاوض حول الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني وترتيبات الجنوب وآليات التحقق سيصطدم حتماً بالوقائع التي تحاول إسرائيل تكريسها على الأرض.
ومن هنا يمكن فهم شراسة العمليات الأخيرة.
غارات متتالية، تفجيرات ضخمة، هدم منازل، وتحركات عسكرية في أكثر من نقطة، وصولاً إلى دوي التفجيرات الذي هز مناطق واسعة من النبطية والجنوب.
والسؤال: إذا كانت هذه المواقع جزءاً من خريطة التفاوض، فلماذا يجري تغيير واقعها بالنار قبل التفاوض؟.
واشنطن تريد روما… ونتنياهو يريد أوراقاً لروما
المشكلة الأميركية ليست في جمع اللبنانيين والإسرائيليين إلى الطاولة.
المشكلة في إقناع نتنياهو بأن ما لا يستطيع الحصول عليه بالمفاوضات لا ينبغي أن يحاول فرضه بالميدان.
فالتجربة الإسرائيلية مع الاتفاقات السابقة تجعل من الصعب على لبنان أن يتعامل مع الوعود السياسية وحدها باعتبارها ضمانات.
من «أوسلو» إلى تجارب التفاوض الأحدث، بقيت القاعدة الإسرائيلية واضحة: الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الأوراق العسكرية إلى لحظة التوقيع، ثم تحويل ميزان القوة إلى مكاسب سياسية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يريد نتنياهو اتفاقاً؟.
بل: أي اتفاق يريد؟.
اتفاق ينهي الاعتداءات والاحتلال ويعيد القرار إلى الدولة اللبنانية؟.
أم اتفاق يكرس لإسرائيل هامشاً أمنياً وعسكرياً داخل لبنان تحت عناوين جديدة؟.
السعودية تدخل على خط روما
في المقابل، لا يبدو أن الحراك حول روما بقي أميركياً ـ إسرائيلياً.
فالتحرك السعودي في روما، من خلال الأمير يزيد بن فرحان، يعكس اهتماماً عربياً متزايداً بدعم الموقف اللبناني والمساعي الهادفة إلى إعادة تحريك المسار التفاوضي.
وهنا تبرز أهمية الرياض.
فلبنان يحتاج إلى مظلة عربية سياسية تساند موقفه في مواجهة أي محاولة لتحويل المفاوضات إلى عملية فرض شروط.
وبالتوازي، تتحرك باريس، بدعم سعودي وأردني، باتجاه عقد الاجتماع التمهيدي لمؤتمر دعم الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية.
والمساران ليسا منفصلين.
روما تحتاج إلى جيش قوي على الأرض، والجيش يحتاج إلى دعم دولي وعربي، وأي تسوية جنوبية تحتاج إلى دولة لبنانية قادرة على تنفيذها.
الجيش اللبناني… الهدف غير المعلن للصراع على المرحلة المقبلة
وسط ذلك، تتعرض المؤسسة العسكرية اللبنانية لحملات تضليل تستهدف قيادتها وتماسكها، الأمر الذي استدعى موقفاً واضحاً من قيادة الجيش التي حذرت من محاولات استهداف المؤسسة وزعزعة الثقة بينها وبين اللبنانيين.
وهنا يجب التوقف.
فالجيش هو المؤسسة التي يفترض أن تكون عنوان الدولة في الجنوب.
وهو الجهة التي سيُطلب منها الانتشار وتثبيت الأمن وتطبيق ما قد ينتج عن أي تفاهم.
لذلك فإن ضرب الثقة بالجيش ليس مجرد معركة إعلامية.
إنه ضرب لأحد أعمدة أي تسوية مقبلة.
عون يريد تجنيب لبنان الحرب… لكن إسرائيل تتصرف كأن الحرب مستمرة
الرئيس جوزاف عون حدد هدف المفاوضات بوضوح: تجنيب لبنان ويلات الحرب.
لكن ماذا يعني هذا الهدف أمام المشهد الجنوبي؟.
ماذا يعني التفاوض لمنع الحرب بينما الطائرات الإسرائيلية تحلق، والغارات تتواصل، والتفجيرات تهز القرى والبلدات؟.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر إيلاماً: لبنان يفاوض كي لا تعود الحرب، وإسرائيل تفاوض فيما الحرب مستمرة.
هذه ليست مجرد مشكلة في تفسير النوايا.
إنها مشكلة في تعريف المرحلة المقبلة.
الانتخابات تضغط على واشنطن وتل أبيب
ولا يمكن فصل كل ذلك عن عامل التوقيت.
إسرائيل تدخل تدريجياً في موسم سياسي وانتخابي حساس، والولايات المتحدة بدورها تتحرك ضمن بيئة سياسية ستزداد سخونة مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي.
وفي مثل هذه البيئة، تصبح التنازلات أكثر كلفة على نتنياهو، كما يصبح أي اتفاق ناجح أكثر قيمة بالنسبة إلى واشنطن.
ولهذا قد تحاول الإدارة الأميركية الوصول إلى اختراق في لبنان، فيما يسعى نتنياهو إلى تحسين شروط هذا الاختراق قبل قبوله.
واشنطن تريد إنجازاً دبلوماسياً؛ نتنياهو يريد إنجازاً عسكرياً يُترجم إلى مكاسب سياسية.
روما أمام امتحان حقيقي
إذا انعقدت الجولة المقبلة في منتصف أيلول كما تتداول المعلومات، فإنها لن تكون جولة عادية.
ستدخل إلى الغرفة ملفات الحدود، والانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش، وآلية التحقق، والمناطق التجريبية، ووقف النار.
لكن خلف كل هذه الملفات سيجلس سؤال واحد: من يملك القدرة على وقف النار؟.
إذا كانت واشنطن لا تستطيع وقف التصعيد الإسرائيلي، فإن دورها كوسيط سيصبح موضع اختبار.
وإذا كانت تستطيع، لكنها لا تريد، فسيكون لبنان أمام مسار مختلف تماماً.
أما إذا استطاعت واشنطن فرض خفض فعلي للتصعيد ووقف التفجيرات، فحينها فقط يمكن القول إن روما دخلت مرحلة جديدة.
بين علي الطاهر وروما… القرار لم يُحسم بعد
المشهد اللبناني اليوم يقف بين مسارين:
مسار دبلوماسي أميركي يريد إبقاء روما مفتوحة، ومسار عسكري إسرائيلي يريد إبقاء الجنوب تحت النار.
وبينهما يحاول لبنان أن يثبت معادلة واضحة: التفاوض ليس بديلاً عن وقف الاعتداءات، واتفاق الإطار لا يمكن أن يتحول إلى غطاء لتكريس الاحتلال أو فرض وقائع جديدة.
لذلك فإن علي الطاهر هي أكثر من تلة، وروما أكثر من مؤتمر.
الأولى تختبر قدرة إسرائيل على فرض الوقائع.
والثانية تختبر قدرة واشنطن على منع فرضها.
أما لبنان، فيقف في المنتصف، متمسكاً بمفاوضات هدفها كما يقول رئيس الجمهورية: تجنيب البلاد الحرب.
لكن الجنوب يطرح السؤال الأكثر قسوة: هل تستطيع الدبلوماسية أن توقف النار قبل أن تتحول النار إلى شروط على طاولة روما؟.
ذلك هو الاختبار الحقيقي المقبل.
ومن علي الطاهر إلى روما، تبدو المعركة المقبلة سياسية بقدر ما هي عسكرية.
